الشيخ محمد علي الأراكي
484
أصول الفقه
الضرري ، فنقول : قد ذكر شيخنا المرتضى قدّس سرّه ضابطا لحكومة أحد الدليلين على الآخر ، وهو وإن كان صحيحا في نفسه ، لكن لا كليّة له ، ولا يجري في جميع الموارد الذي نقول فيها بالحكومة ، وهو أن يكون أحدهما بمدلوله اللفظي ناظرا إلى مدلول الدليل الآخر كذلك ، وشارحا للمراد منه . وبعبارة أخرى : كان منزلة الأوّل من الثاني منزلة « أي » و « أعنى » من مفسّرهما ، فكما يقدّم ظهور هذين في التفسير ولو كان في أدنى مرتبة على ظهور مفسّرهما ولو كان في أعلى مرتبة ، فمن هذا القبيل باب الحكومة أيضا ، ولازم هذا أن يكون الحاكم لولا الدليل المحكوم لغوا ، لكونه مفسّرا بلا مفسّر ، ككلمتي « أي » و « أعني » إذا لم يسبقهما ما فسّراه ، وهذا كما ترى غير موجود في أدلّة الأمارات التي نقول بحكومتها على أدلّة الأصول ؛ إذ لا يلزم لغويّة في قضيّة « صدّق العادل » لو لم يكن أدلّة الشكوك ، وهكذا الحال في مقامنا ، فلا يلزم لغويّة في قاعدة لا ضرر لو لم تكن إلّا نفسها . فالأولى في تعيين الضابط الذي يشمل المقامين وأشباههما أن يقال : الدليلان المتخالفان تارة يكونان بحيث ينقدح في ذهن أهل العرف عند عرضهما عليهم التعارض والتكاذب ولو بدويّا ، يزول بعد العلاج بتقديم ما كان نصّا أو أظهر ، وهذا في ما إذا كان الحكم في كلا الدليلين على الموضوع الواحد مثل أكرم العلماء ولا تكرم الفسّاق من العلماء . وأخرى يكونان بحيث لا ينقدح في الذهن عند العرض عليه تعارض وتكاذب بين مدلوليهما حتّى يحتاج إلى الفحص عن العلاج ، وهذا في ما إذا كان الحكم في أحدهما على الموضوع ، وفي الآخر على الحكم ، وذلك مثل دليل « توضّأ » ودليل لا ضرر في الإسلام في مورد اجتماعهما وهو الوضوء الضرري ، فالأوّل ليس له نفي وإثبات في الحكم والإرادة ، وإنّما هما في الموضوع وهو الوضوء ، والحكم ملحوظ على المعنى الحرفي . نعم مدلول الأصل العقلائي هو الحكم على هذا الحكم ملحوظا على المعنى